محمد كرد علي

296

خطط الشام

بمداواتها أو وضع التعاويذ المصطلح عليها بينهم ، وينذرون النذور إن رزقت ولدا ، يقدمونها إلى قديسيهم وأوليائهم . ولهم كغيرهم خرافات كثيرة منها تخويف الأولاد في صغرهم بخيالات ، فينشأ الولد عند بعض المسيحيين جبانا ، والدروز يلقنون أولادهم الشجاعة والفروسية فيأتون شجعانا أقوياء . ولذلك كان الدروز منذ القديم في هذا الجبل على قلة عددهم يخاف جيرانهم بأسهم . وقد زاد هذا الجبن كثيرا بعد انتشار التعليم ومعرفة قدر الحياة ، فأصبح يجبن من لم يكن يجبن ، ونزعت الأخلاق الحربية إلا من الدروز ، وأصبح القوم يؤثرون الراحة ويتطلبونها حيثما وجدوها ، ويزهدون في سكنى جبالهم على كثرة غرامهم بها ، وتمجيدهم لهوائها ومائها ومناظرها وهنائها . وربما كان أهل لبنان من أكثر الشاميين اقتدارا على الإعلان عن أرضهم ، والإعجاب بجبلهم ، والتبجح بثروتهم وأثاث بيوتهم ، وتمجيد رؤسائهم وعلمائهم وأدبائهم . وهذا مما ساعد على إعمار الجبل بما جلبه المهاجر اللبناني من المال إلى أرضه ، وسمت الهمم بأهله أن يعمروه هذا العمران الواسع بالنسبة إلى البقاع الأخرى ، لولا ذلك لكان كسائر جبال الشام انحطاطا وفاقة . تسربت العادات الغربية إلى لبنان أكثر من غيره ، فبعد أن كان اللبناني يأكل وأهله وضيوفه على سفرة في الأرض أو على خشبة مستديرة من صحفة واحدة ، بأدوات منها الخزف ومنها ملاعق من الخشب من صنع أرضه ، أصبح يجلس إلى خوان وأمامه صحاف وملاعق وشوكات وسكاكين ومائدته مغطاة بثوب أبيض ، وعلى يده منديل الغمر أبيض ، وألوان الطعام تأتيه أرسالا . وأكثر هذا محسوس الأثر بين المسيحيين ولا سيما سكان الساحل . وقد بلغ ببعضهم حب التقليد أن أصبحوا لا يكتفون بخمر أرضهم ، ويتغالى بعض أغنيائهم المترفين فيجلب خمور الغرب يسقيها ضيوفه على مائدته . وغدا لا يطيب له الزجل والمواليا والمعنّى والقراديات والغناء العربي والقصائد العربية ، وكانت تنبسط أرواح أجداده إلى سماعها ، بل يحاول أن يسمع النغمات الإفرنجية لأنها أجمل وهو « تفرنج » و « تأورب » ويحب أن يقطع صلاته مع آبائه .